مونتجمرى وات ( تعريب : عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى )
74
محمد ( ص ) في مكة
في نفس الوقت كانت هناك ظاهرة جديدة هامة في مكة ، وهي ظهور الاحساس بالواحدة على أساس المصالح المادية المشتركة ، وكانت هذه الظاهرة ، وليس انتماؤهم إلى قريش ، هي التي أدت إلى ما حدث من صراع بين الأحلاف والمطيبين ، وكانت هذه الظاهرة أيضا هي التي أدت إلى تناسى المنافسات وانشاء « حكومة ائتلاف » بعد هزيمة بدر . وأهمية ذلك في أنها تدل على ضعف روابط قرابة الدم ، وتدل على وجود فرصة لتأسيس واحدة أوسع نطاقا على أساس جديد . وإذا أردنا أن نبحث عن تغيير اقتصادى مرتبط ببداية الاسلام ، فان علينا أن ننظر هنا ( تعنى كلمة « ارتباط » هنا شيئا يختلف تماما عن العلاقة بين الدين والنظريات الخاصة بالعوامل الاقتصادية كما ينادى بها الماركسيون ) . فبزيادة ثروة مكة وقوتها ، انتقل اقتصادها من اقتصاد بدوي إلى اقتصاد تجارى ورأسمالى . وفي زمان محمد ( صلّى اللّه عليه وسلم ) ، لم يكن قد حدث أي تغيير في الاتجاهات الاجتماعية والأخلاقية والفكرية والدينية للمجتمع التي كانت لا تزال تناسب الجزء الأكبر من المجتمع البدوي ، وكان التوتر الذي شعر به محمد ( عليه الصلاة والسلام ) وبعض معاصريه لا شك في النهاية نتيجة لهذا التناقض بين الاتجاهات الواعية للرجال والأسس الاقتصادية لحياتهم . وسنضطر إلى الحديث عن هذا التوعك ( الخلل ) في الأمة بتفصيل أكثر فيما بعد * .
--> * لعل المؤلف استخدم كلمة التوتر Tention كترجمة لكلمة « الضيق » الذي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يشعر به نتيجة لموقف قومه من الدعوة : ولقد نعلم أنه يضيق صدرك بما يقولون ( الحجر 27 ) . فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك ، انما أنت نذير ، واللّه على كل شئ وكيل ( هود 12 ) . ومما ورد في الآيتين نرى أن ضيق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان لرفض قومه الايمان برسالته وموقفهم المعاند من الدعوة . وقد يصدق استنتاج المؤلف بالنسبة للرافضين للدعوة ، أما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلم تكن له أي مصالح اقتصادية في أية مرحلة من حياته ، فأبوه كان فقيرا كما هو ثابت في مراجع السيرة ، حتى أن مرضعات بنى سعد رفضن حضانته لعدم توقعهن فائدة كبيرة من وراء ذلك لفقر أبيه ويتمه ، وكان عمه أبو طالب الذي كفله بعد وفاة جده عبد المطلب أيضا فقيرا ، وعاش الرسول حياته كما وصفتها السيدة عائشة رضى اللّه عنها في قولها : كان يمر علينا الهلال بعد الهلال لا يوقد في بيتنا نار ، وانما نعيش على الأسودين : التمر والماء .